الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

379

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

العبادة ؟ إلا أننا عندما نتذكر إيثار إبراهيم ( عليه السلام ) الذي أراد ذبح أعز أعزائه وأطيب ثمار عمره ( إسماعيل ) في تلك الأرض في سبيل الله ، العملية التي غدت سنة فيما بعد وبعنوان ذبح الأضاحي في منى ، ندرك فلسفة هذا العمل . فالذبح إشارة إلى اجتياز كل شئ في سبيل التوجه إلى الله ، وهو مظهر لإخلاء القلب من كل شئ عدا ذكر الله ، ويمكن استمداد التربية الكافية من هذه المناسك ، إذا تجسد لنا مشهد ذبح إسماعيل ، ومعنويات الأب وابنه إسماعيل أثناء عملية الذبح ، وهذا المشهد يجعل معنويات الإنسان تسطع بأنوارها ( 1 ) . أما أثناء توجهنا إلى رمي الجمرات ( وهي ثلاثة أعمدة مبنية من الحجر يرميها الحجاج أثناء تأديتهم لمراسم الحج ، وفي كل مرة يرمون سبعة أحجار عليها وفق مراسم خاصة ) فيتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي : ماذا يعني رمي هذا المقدار من قطع الحجارة على عمود من الحجر لا روح فيه ؟ وأي مشكلة سيحل هذا العمل ؟ إلا أننا عندما نتذكر أنها تمثل جهاد الموحد إبراهيم ضد وساوس الشيطان الذي ظهر له ثلاث مرات في الطريق ، وهو مصمم على أن يثني إبراهيم عن عزمه في ساحة الجهاد الأكبر ، وكلما ظهر له رماه بالحجر ، فإن محتوى هذه الشعيرة يتوضح أكثر . فمعنى هذه الشعيرة هو أنكم طوال فترة عمركم تعيشون في ساحة الجهاد الأكبر ضد وساوس الشيطان ، وإن لم ترموا هذا الشيطان وتبعدوه عنكم فلن تنتصروا أبدا . وإن كنتم تنتظرون أن يشملكم الله بلطفه ورحمته ، كما شمل إبراهيم بذلك

--> 1 - مما يؤسف له أن مراسم ذبح الأضاحي في عصرنا الحالي لا تتم بالشكل المطلوب ، ولذا على علماء الإسلام أن يبذلوا الجهد لإنقاذ هذه المراسم العظيمة ، وبهذا الشأن وبخصوص فلسفة الحج أوردنا بحوثا مفصلة في ذيل الآية ( 38 ) من سورة الحج .